Selasa, 01 Mei 2012

ترجمة ابن هشام

هو جمال الدين عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن هشام الأنصاري المصري، وُلد بالقاهرة سنة 708 للهجرة وبها توفي سنة 761, وقد طارت شهرته في العربية منذ حياته، فأقبل عليه الطلاب من كل فج يفيدون من علمه ومباحثه النحوية الدقيقة واستنباطاته الرائعة. ويقال: إنه لم يقرأ على أبي حيان سوى ديوان زهير، وكأنه ثمرة العلماء المصريين من أساتذته، وقد تحول يتعمق مذاهب النحاة، وتمثلها تمثلا غريبا نادرا، وهي مبثوثة في مصنفاته مع مناقشتها وبيان الضعيف منها والسديد، مع إثارته ما لا يحصى من الخواطر والآراء في كل ما يناقشه وكل ما يعرضه. وبلغ الإعجاب به لدى بعض معاصريه حداجعلهم يقولون: إنه أنحى من سيبويه! وخلّف في العربية مصنفات كثيرة، من أهمها: كتاب "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" وقد اختطّ له منهجا لم يسبق إليه، إذ لم يُقمه على أبواب النحو المعروفة، بل قسمه قسمين كبيرين؛ قسما أفرده للحروف والأدوات التي تشبه مفاتيح البيان في لغتنا، ومضى يوضّح وظائفها وطرق استخدامها مع عرض جميع الآراء المتصلة بها عرضا باهرا. أما القسم الثاني فتحدث فيه عن أحكام الجملة وأقسامها المتنوعة وأحكام الظرف والجار والمجرور وخصائص الأبواب النحوية وصور العبارات الغريبة, مع ما لا يكاد ينفد من ملاحظات وقواعد كلية تجسم أسرار العربية، وقد طبع هذا الكتاب مرارا، وطبع معه شرحان أو حاشيتان للأمير والدسوقي. ومن مصنفاته: "أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك" وهو مطبوع مرارا، وشرحه الشيخ خالد الأزهري باسم "التصريح على التوضيح" وكتب عليه حاشية الشيخ يس العليمي الحمصي، والحاشية والشرح مطبوعان معه. ولابن هشام بجانب هذين المصنفين شذور الذهب في معرفة كلام العرب، وهو مطبوع مرارا ومثله "قطر الندا وبل الصدا" و"الإعراب عن قواعد الإعراب". وله وراء ذلك مصنفات نحوية كثيرة لا تزال مخطوطة ومحفوظة على رفوف المكتبات المختلفة. وهو يمتاز فيها جميعا بوضوح عبارته مع الأداء الدقيق إلى أبعد حدود الدقة, مسهبا مطنبا أو موجزا مجملا.
ومنهجه في النحو هو منهج المدرسة البغدادية، فهو يوازن بين آراء البصريين والكوفيين ومن تلاهما من النحاة في أقطار العالم العربي، مختارا لنفسه منها ما يتمشّى مع مقاييسه مظهرا قدرة فائقة في التوجيه والتعليل والتخريج، وكثيرا ما يشتق لنفسه رأيا جديدا لم يسبق إليه، وخاصة في توجيهاته الإعرابية على نحو ما يتضح لقارئ كتابه المغني.

وهو في أغلب اختياراته يقف مع البصريين، من ذلك اختياره رأي سيبويه في أن المبتدأ مرفوع بالابتداء وأن الخبر مرفوع بالمبتدأ1، وأن كان وأخواتهاتعمل الرفع في اسمها والنصب في خبرها1، وأن المفعول به منصوب بالفعل2، وأن المضاف إليه مجرور بالمضاف لا بالإضافة ولا بمعنى اللام المحذوفة3، وقد لا نبالغ إذا قلنا: إنه كان يجل سيبويه إجلالا بعيدا، كما كان يجل جمهور البصريين، وفي كل جانب من كتاباته نراه متحمسا لهم مدافعا عن آرائهم، من ذلك أنه كان يذهب مذهب يونس بن حبيب في أن تاء أخت وبنت ليست للتأنيث4. وكان يرى رأي سيبويه وجمهور البصريين في أن المحذوف في مثل {تَأْمُرُونِّي} نون الرفع لا نون الوقاية5. وكان يرفض رأي الكوفيين القائل بأن أسماء الإشارة قد تحل محل أسماء الصلة، في مثل: "وهذا تحملين طليق" إذ يعرب الكوفيون هذا اسما موصولا بمعنى الذي6، كما رفض رأيهم متشيعا للبصريين في أن الوصف يسد معه الفاعل مسد الخبر إذا لم يتقدمه نفي أو استفهام في مثل: "خبيرٌ بنو لهب"7, وكان يحتم مع جمهور البصريين أن يكون الخبر مع الظرف والجار والمجرور محذوفا وتقديره: كائن أو مستقر, لا كان أو استقر8. وكان يختار رأي سيبويه في أن المرفوع بعد لولا في مثل: "لولا محمد لهلك العرب" مبتدأ مرفوع بالابتداء، يقول: "وليس المرفوع بعد لولا فاعلا بفعل محذوف ولا بلولا، خلافا لزاعمي ذلك"9 واختار رأيه في أن عسى في مثل عساك وعساه تجري مجرى لعل، ويوضح ذلك قائلا: إن في مثل هذا التعبير ثلاثة مذاهب: أحدها: أنها أجريت مجرى لعل في نصب الاسم ورفع الخبر كما أجريت لعل مجراها في اقتران خبرها بأن، قاله سيبويه، والثاني: أنها باقية على عملها عمل كان ولكن استعير ضمير النصب مكان ضمير الرفع، قاله الأخفش، ويورد ابن هشام عليه اعتراضين، كما يعترض على المذهب الثالث فيها، وهو مذهب المبرد وأبي علي الفارسي،إذ ذهبا إلى أنها باقية على إعمالها عمل كان ولكن قلب الكلام فجعل المخبر عنه خبرا وبالعكس1, وواضح من اعتراضه على المذهبين الثاني والثالث أنه إنما يرتضي مذهب سيبويه. وكان يقف معه ضد الكسائي في أن زيدا في مثل: "هل زيدا رأيته؟ " منصوب على الاشتغال بفعل محذوف ولا يصح أن يكون مبتدأ2، وأن حيث لا تضاف إلى المفرد قياسا3، وأن اسم الفاعل لا يعمل إلا إذا كان بمعنى الحال والاستقبال, وقد تمسك الكسائي بإعماله وهو بمعنى الماضي في الآية الكريمة: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} وخرّج ذلك ابن هشام على حكاية الحال4. ومما خالف فيه الكسائي أيضا متشيعا لسيبويه وجمهور البصريين أن معمول اسم الفعل لا يصح أن يتقدم عليه5، وأن "إذن" الناصبة للمضارع لا بد أن تتصدر الجملة6، وأن المضارع ينصب بأن مضمرة وجوبا بعد اللام وأو وحتى والفاء والواو7. وكان يأخذ برأي سيبويه في أن "إذما" حرف شرط مثل إن الشرطية تماما خلافا للمبرد والفارسي القائلين بأنها ظرف زمان8، وكذلك أخذ برأيه في أنه لا يجوز أن يقال: "هذا لك وأباك" بنصب أباك مفعولا معه؛ لعدم تقدم فعل في الجملة أو شبهه خلافا للفارسي9. ومما كان يأخذ فيه برأي جمهور البصريين أن "زيد" في مثل: "إنْ زيد قام" فاعل لفعل محذوف لا مبتدأ خلافا للأخفش والكوفيين10، وأن الفاعل لا يصح أن يتقدم على فعله خلافا لأهل الكوفة11.
وليس معنى ذلك أنه كان متعصبا لسيبويه وجمهور البصريين، وإنما معناه أنه كان يوافقهم في الكثرة الكثيرة من آرائهم النحوية، ولكن دون أن يوصد الأبواب أمام بعض آراء الكوفيين والبغداديين حين يراها جديرة بالاتباع، ومما كان يتابع فيه الكوفيين أن الفعل ماض ومضارع فقط وأن الأمر فرع منالمضارع المصحوب بلام الطلب في مثل: لتقم، حُذفت للتخفيف في مثل: قم واقعد وتبعها حرف المضارع، يقول: "وبقولهم أقول؛ لأن الأمر معنى حقه أن يؤدى بالحرف ولأنه أخو النهي ولم يدل عليه إلا بالحرف، ولأن الفعل إنما وضع لتقييد الحدث بالزمان المحصل وكونه أمرا أو خبرا خارج عن مقصوده"1. وكان سيبويه يذهب إلى أن "أبؤسا" في مثل: "عسى الغوير أبؤسا" خبر عسى، وذهب الكوفيون ومعهم ابن هشام إلى أن "أبؤسا" خبر لكان أو يكون محذوفة أي: يكون أبؤسا، والجملة خبر عسى2. وذهب سيبويه إلى أن "كيف" تكون دائما ظرفا, وذهب الكوفيون وتابعهم ابن هشام إلى أنها تكون ظرفا أحيانا وأحيانا اسما غير ظرف، بدليل أنه يبدل منها بالرفع فيقال: كيف أنت؟ أصحيح أم سقيم؟ ولا يبدل المرفوع من المنصوب3. وكان جمهور البصريين يمنع توكيد النكرة مطلقا وأجازه الأخفش والكوفيون إذا أفاد، وتابعهم ابن هشام، مصححا مثل: "اعتكفت أسبوعا كله"4. ومما أخذ فيه برأي الكوفيين إنكار أن التفسيرية, محتجا بأنه إذا قيل: "كتبت إليه أن قم" لم يكن قم نفس كتبت. ولهذا لو جئت بأي مكان أن في المثال لم تجده مقبولا في الطبع5. وكان يجوز مع الكوفيين منع صرف المنصرف في ضرورة الشعر6، وكذلك مد المقصور كقول بعض الشعراء:
فلا فقر يدوم ولا غناء
بمد كلمة غِنى7. وجوز أيضا مع الكوفيين عدا الفراء العطف على الضمير المتصل المخفوض بدون إعادة الخافض لقراءة حمزة وغيره: "تساءلون بِهِ وَالْأَرْحَامِ" بالخفض عطفا على الهاء المخفوضة بالباء8، كما جوز معهم الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول مستدلا بقراءة ابن عامر: "وكذلك زُيِّنَ لِكثِير من الْمشركينَ قَتْلُ أَوْلَادَهم شُرَكَائهم" بإضافة قتل إلى شركائهم, أو بعبارة أخرى: إضافة المصدر إلى فاعله مع الفصل بينهما بالمفعول به وهو كلمة "أولادَهم"9.وكان يأخذ برأي الفراء في أن "لو" قد تكون حرفا مصدريا بمنزلة أن المصدرية, إلا أنها لا تنصب المضارع، ويكثر وقوعها حينئذ بعد ود ويود مثل: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ} و {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ} وقد تقع بدونهما كقول قتيلة:
ما كان ضرَّك لو مننت وربما ... مَنَّ الفتى وهو المغيظ المحنق
ويعرض لرأي جمهور البصريين في أنها في هذه المواضع شرطية وأن جوابها محذوف، ويقول: "لا خفاء بما في ذلك من التكلف"1.
وعلى نحو ما كان يختار ابن هشام لنفسه من المدرستين الكوفية والبصرية, كان يختار لنفسه أيضا من المدرستين البغدادية والأندلسية، ومما اختاره من آراء أبي علي الفارسي أن "حيث" قد تقع مفعولا به كما في قوله تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} 2 وأن قلما في مثل: "قلما يقوم زيد" لا تحتاج لفاعل؛ لأنها استُعملت استعمال ما النافية3، وأن "ما" قد تأتي زمانية، يقول: "وهذا ظاهر في قوله تعالى: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} أي: استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم"4. ووافق ابن جني في أن الجملة قد تبدل من المفرد كقول بعض الشعراء:
إلى الله أشكو بالمدينة حاجةً ... وبالشام أخرى كيف يلتقيانِ؟
على تقدير أن جملة الاستفهام: "كيف يلتقيان" بدل من كلمتي "حاجة وأخرى" أي: إلى الله أشكو حاجتين تعذر التقائهما5. وقد أكثر من مراجعة الزمخشري، ويكفي أن نذكر من ذلك ثلاثة أمثلة، أولها: رده ما ذهب إليه من أن "لن" تقتضي تأبيد النفي وتوكيده، يقول: "وكلاهما دعوى بلا دليل، ولو كانت للتأبيد لم يقيد منفيها باليوم في قوله تعالى: {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} ولكان ذكر الأبد في {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا} تكرارا والأصل عدمه"6. وثاني الأمثلة: ما ذهب إليه الزمخشري في الواو من أنها قد تأتي للإباحة مثل أو، وذلك في تعليقه بتفسيره على آية البقرة: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَالْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} فقد ذكر عند الكلام على قوله تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} أن الواو تأتي للإباحة نحو: "جالس الحسن وابن سيرين", وأنه إنما جاء بتلك العبارة دفعا لتوهم إرادة الإباحة في قوله جل وعز: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} يقول ابن هشام: "وقلده في ذلك صاحب الإيضاح البياني ولا تعرف هذه المقالة لنحوي"1. والمثال الثالث: يتصل بعطف الزمخشري كلمات وعبارات متباعدة في الذكر الحكيم بعضها على بعض، إذ ذهب في قوله عز شأنه: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ، وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ} إلى أن {وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ} فيمن جر {مُسْتَقِرٌّ} عطف على {السَّاعَةُ} ، وهي في رأي ابن هشام مبتدأ حذف خبره. ومن ذلك ذهاب الزمخشري إلى أن الآية رقم 38 في سورة الذاريات: {وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} معطوفة على الآية رقم 20: {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ} , وفي رأي ابن هشام أنها معطوفة على كلمة {فِيهَا} في الآية السابقة لها رقم 37: {وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} 2. وليس معنى ذلك أنه كان يعارض دائما آراء الزمخشري, فقد كان يرتضي بل يستحسن كثيرا من آرائه، من ذلك ما ذهب إليه من أن "أنما" بالفتح تفيد الحصر مثل "إنما" وقد اجتمعتا، كما يقول في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} 3. ويقف بإزاء إفادة أما التوكيد في مثل: "أما زيد فمنطلق" ويقول: قل من ذكره ولم أر من أحكم شرحه غير الزمخشري, فإنه قال: "فائدة: أما في الكلام أن تعطيه فضل توكيد تقول: زيد ذاهب, فإذا قصدت توكيد ذلك وأنه لا محالة ذاهب وأنه بصدد الذهاب وأنه منه عزيمة قلت: أما زيد فذاهب؛ ولذلك قال سيبويه في تفسيره: مهما يكن من شيء فزيد ذاهب، وهذا التفسير مُدْل بفائدتين: بيان كونه توكيدا وأنه في معنى الشرط"4. وقد استصوب رأيه في أن "قد" تأتي للتوقع, وقد تأتي للتحقيق مثل: {قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْعَلَيْهِ} إذ دخلت لتوكيد العلم1.
وأكثر الأندلسيين دورانا في مصنفاته ابن عصفور وابن مالك وأبو حيان، ومما اختاره من آراء الأول أن "لَنْ" قد تأتي للدعاء، والحجة في ذلك قول الأعشى:
لن تزالوا كذلكم ثم لا زلـ ... ـت لكم خالدا خلود الجبال2
وأن محل الجملة في التعليق النصب؛ ولذلك يعطف عليها بالنصب مثل: "عرفت من زيد وغير ذلك من الأمور" وكان ابن عصفور يستدل بقول كثير:
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعاتِ القلب حتى تولت
بنصب "موجعات" وعطفها على عبارة: "ما البكا" التي علق عنها فعل أدري3. أما ابن مالك فهو صاحبه الذي عني بشرح مصنفاته مثل التسهيل والألفية، ومن يقرؤه في "أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك" يجده يتابعه في جمهور آرائه، وقلما خالفه، وقد حكى آراءه أو قل كثيرا منها في كتابه "المغني" وتارة يوافقه وتارة يخالفه، ومما وافقه فيه أن إلى قد تأتي بمعنى في كما في الآية الكريمة: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} 4, وأنه يمكن تخريج مسألة الزنبور: "فإذا هو إياها" على أن ضمير النصب استُعير في مكان ضمير الرفع، يقول: ويشهد له قراءة الحسن: "إياك تُعْبَدُ" ببناء الفعل للمفعول5، وأن حتى إذا عطفت على مجرور أُعيد الخافض فرقا بينها وبين الجارة مثل: مررت بالقوم حتى بزيد إلا إذا تعين كونها للعطف مثل: "عجبت من القوم حتى بنيهم". قال ابن هشام: وهو قيد حسن6، وأن "عن" الجارة قد تفيد الاستعانة مثل: "رميت عن القوس" أي: بالقوس7، ويقول: "عبارة ابن مالك في قد حسنة, فإنه قال: إنها تدخل على ماض متوقع، ولم يقل: إنها تفيد التوقع ... وهذا هو الحق"8, ويتابعه في أن كلا قد تأتي توكيدا لمعرفة مثل: "يا أشبه الناسِ كلِّالناس بالقمر" وأنها ليست حينئذ نعتا كما زعم أبو حيان1. وكان يعجب بقوله في كيف: "لم يقل أحد: إنها ظرف إذ ليست زمانا ولا مكانا، ولكنها لما كانت تفسَّر بقولك على أي حال؛ لكونها سؤالا عن الأحوال العامة سميت ظرفا؛ لأنها في تأويل الجار والمجرور، واسم الظرف يطلق عليهما مجازا"2, كما كان يعجب بقوله: إن لما ظرف بمعنى "إذ" لا بمعنى حين كما زعم الفارسي وابن جني3. أما أبو حيان, فإنه كاد أن لا يوافقه في شيء، وكان كما أسلفنا يكثر من الخلاف على ابن مالك، وكأنما جعل ابن هشام نصب عينيه أن ينقض كل ما أورده عليه4، وكذلك على الزمخشري5.
ولعلنا لا نبعد إذا قلنا: إن أهم نحوي مصري تعقبه في آرائه هو ابن الحاجب، وكثيرا ما يثبت عليه السهو والوهم والتعسف6, وكثيرا ما يتوقف لنقض آرائه7. وكتابه "المغني" في الواقع موسوعة كبرى لعرض آراء النحاة السابقين له في مختلف الأصقاع العربية، وهو ليس عرضا فقط بل هو مناقشة واسعة لتلك الآراء وتبين الصحيح منها والفاسد، مع كثرة الاستنباطات ومع اشتقاق الآراء المبتكرة غير المسبوقة، ويكفي أن نضرب لذلك بعض الأمثلة كذهابه إلى أن "عشر" في قولنا: اثني عشر حالة محل النون في اثنين، وهي بذلك ليست مضافة إلى ما قبلها ولا محل لها من الإعراب8. ومن ذلك أن كان وأخواتها ما عدا ليس تدل على الحدث كما تدل على الزمان9، وأن الحال كما تأتي مؤكدة لعاملها في مثل: {وَلَّى مُدْبِرًا} تأتي مؤكدة لصاحبها مثل: "جاء القوم طرا", و {لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} 10. وأهم من الآراء المبتكرة وضعه للضوابط النحوية على نحو ما يتجلى في الأبواب الثاني والثالث والرابع والخامس من كتابه المغني، وقد بلغت حدا رائعا منالدقة والسداد. ولا تقل عنها أهمية القواعد النحوية الكلية التي ضمنها الباب الثامن من هذا الكتاب، وهي مقتبسة في جملتها من قواعد علم الأصول، كقاعدة أن الشيء قد يعطى حكم ما أشبهه في معناه أو في لفظه أو فيهما. وقد عرضها في أربع وعشرين صورة جزئية1. ولعل في ذلك كله ما يصور من بعض الوجوه نشاط ابن هشام النحوي ومدى استيعابه لآراء النحاة السالفين, ومدى فطنته في استخلاص الآراء واستنباطها والحوار فيها كأدق ما يكون الحوار, مع النفوذ إلى القوانين النحوية الكلية العامة.
- نحاة متأخرون:
أخذت الدراسات النحوية تنشط في مصر نشاطا واسعا منذ عصر ابن هشام، كما أخذ يتكاثر واضعو الشروح والحواشي على مصنفات ابن هشام وابن مالك، وأول من نلقاه منهم ابن1 عَقيل عبد الله بن عبد الرحمن المتوفى 769 للهجرة، وهو يعد في تلامذة أبي حيان. وكان يعنى بالقراءات والتفسير والأصول والفقه، واشتغل بالقضاء فترة، ودرس للطلاب في غير مسجد بالقاهرة، وله شرح على التسهيل لابن مالك وشرحه على الألفية ذائع مشهور، وعني به كثيرون فكتبوا عليه حواشي، ومن أشهرها حاشية الخضري، وهي مطبوعة معه مرارا. ويمتاز هذا الشرح بوضوح العبارة وسهولتها وقربها من أذهان الناشئة، وهو يصور فيه آراء النحاة وخاصة حين يخالفهم ابن مالك، ويتصدى لابنه بدر الدين حين يخالف أباه في شروحه على مصنفاته: التسهيل وغيره، مثبتا عليه السهو والخطأ2. ومر بنا أن ابن مالك كان يخالف البصريين وإمامهم سيبويه في آراء كثيرة، وقدتوقف ابن عقيل إزاء كثير من هذه الآراء, منحازا للبصريين وسيبويه، من ذلك ذهاب ابن مالك إلى أن الأسماء الخمسة مثل "أبوك" معربة بالحروف، بينما ذهب سيبويه إلى أنها معربة بحركات مقدرة على الواو والألف والياء، وبرأيه أخذ ابن عقيل ناعتا له بأنه هو الصحيح1. وكان ابن مالك يختار اتصال الضمير في مثل: كنته وخلتنيه، واختار سيبويه الانفصال، فتقول: كنت إياه وخلتني إياه، ويقول ابن عقيل: "مذهب سيبويه أرجح؛ لأنه هو الكثير في لسان العرب على ما حكاه سيبويه عنهم"2. ويعرض لآراء النحاة في رافع المبتدأ والخبر، ويختار رأي سيبويه وجمهور البصريين وما ذهبوا إليه من أن المبتدأ مرفوع بالابتداء وأن الخبر مرفوع بالمبتدأ، ويقول على هدي أستاذه أبي حيان: "وهذا الخلاف مما لا طائل فيه"3. ويذكر رأي ابن مالك في أن عائد الصلة في مثل: "جاء الذي كلمت أمس" بدل من كلمته, ومثل: "الذي أنا معطيك كتاب واحد" بدل من معطيكه، ولا يلبث أن يقول: "كلام المصنف يقتضي أنه كثير وليس كذلك, بل الكثير حذفه من الفعل، وأما الوصف فالحذف منه قليل"4. وعلى هذا النحو كثيرا ما يراجع ابن مالك. وكان كثيرا ما يقرن آراءه في الألفية بآرائه في التسهيل وغيره.
وممن نلقاه في القرن الثامن الهجري ابن الصائغ5 محمد بن عبد الرحمن المتوفى سنة 776 للهجرة، وقد ولي مدة قضاء العسكر وإفتاء دار العدل، ودرس للطلاب بالجامع الطولوني وغيره، وله في النحو مصنفات مختلفة، منها: التذكرة في عدة مجلدات وشرح على ألفية ابن مالك. ومما حكاه له السيوطي في الهمع من آراء, ذهابه إلى أنه يجوز خلو جملة الصلة من ضمير يعود على الموصول يربطها به إذا عُطف عليها بالفاء جملة مشتملة عليه مثل: "الذي يطير الذباب فيغصب زيد" لارتباطهما بالفاء وصيرورتهما جملة واحدة6. وكان يذهب في جملة "أبو من هو" في قولك: "عرفت زيدا أبو من هو" إلى أنها بدل اشتمالمن زيد، بينما ذهب ابن عصفور إلى أنها بدل كل من كل1. وذهب إلى أن "عوض" بُنيت على الضم مع أنها غير مضافة إلى جملة؛ حملا على نقيضتها "قط"2. وكان يرى أن "زيتا" في مثل: "ادهنت زيتا" منصوبة على نزع الخافض بدليل قولك: "ادهنت بزيت", وأنه ينبغي أن يوقف على ما يماثل هذه الصيغة ويعرب تمييزا عند السماع مثل: "امتلأ الإناء ماءً" للزوم كلمة ماء التنكير ووجوب تأخيرها بإجماع3.
ونمضي في القرن التاسع الهجري, فنلتقي بنحويين كثيرين، من أنبههم الدماميني4 محمد بن أبي بكر بن عمر الإسكندري المتوفى سنة 837 للهجرة، ناب في الحكم وتصدر بالجامع الأزهر لإقراء النحو، وأقرأ بالإسكندرية، ودخل اليمن سنة 820 وركب البحر إلى الهند، وظل بها إلى أن لبى نداء ربه. وله من التصانيف النحوية شرح على التسهيل لابن مالك, وشرح على مغني ابن هشام سماه "تحفة الغريب في حاشية مغني اللبيب" تحامل فيه تحاملا شديدا على ابن هشام، مما جعل الشمني الإسكندري المتوفى سنة 872 للهجرة يتعقبه في حاشيته على المغني وقد سماها "المنصف من الكلام على مغني ابن هشام", والحاشيتان جميعا مطبوعتان معا. ومن أمثلة تعقبه لابن هشام في مغنيه أنه ذهب في باب "أم" إلى أنها هي التي يتعين وقوعها بعد همزة التسوية لا "أو", فلا يقال: "سواء أكان كذا أو كذا" ولكن يقال: "سواء أكان كذا أم كذا" وكذلك "سواء كان كذا أم كذا" بدون همزة التسوية، ولاحظ الدماميني أن ذلك إنما يكون حين تتلو سواء الهمزة، وهي غير لازمة، فيجوز مجيء أو في مثل: "سواء عليَّ قمت أو قعدت", وفي قول الفقهاء: "سواء كان كذا أو كذا". وذكر ابن ابن هشام في باب "جَيْر" أنها حرف بمعنى نعم، لا اسم بمعنى حقا فتكون مصدرا, وراجعه الدماميني بأنها بمعنى حقا، وأنها بُنيت مثل ما التي بمعنى شيء، وعلةبنائها موافقتها لجير الحرفية، ونقض عليه الشمني كلامه قائلا: إن ما إنما بنيت لمشابهتها الحرف في الوضع بخلاف جير, وأن من يقولون باسميتها لا يثبتون جير الحرفية. وعرض ابن هشام في باب "ما" إلى أنها تكون مصدرية زمانية, وأنها تدل على الزمان بالنيابة لا بذاتها مثل: {مَا دُمْتُ حَيًّا} أصله في تقريره: مدة دوامي حيا، واعترضه الدماميني وقال: إن "ما" لا تدل على الزمان أصلا لا بطريق الأصالة, ولا بطريق النيابة, وإنما يفهم الزمان في مثل الآية بقرينة. وكان يذهب إلى أن الإضافة في "يومئذ" ليست من إضافة أحد المترادفين للآخر، وإنما هي من إضافة الأعم للأخص مثل "شجرعنب"1 ومن غريب ما كان يذهب إليه أن جملة الصلة لها محل من الإعراب2.
ومن نحاة النصف الثاني من القرن التاسع الهجري الكافيجي3 محمد بن سليمان الرومي المتوفى سنة 879 للهجرة، وُلد في بلاد الروم، ثم دخل الشام وبيت المقدس, واستقر في القاهرة ودرس في الشيخونية وغيرها، وكان لا يشق غباره في الفلسفة والمنطق والنحو، وأكثر تآليفه مختصرات وأجلها وأنفعها شرحه على قواعد الإعراب لابن هشام. ومما أحصى له السيوطي تلميذه من آراء أنه كان لا يسوِّغ الإخبار بجملة ندائية مثل: زيد يا أخاه, ولا مصدرة بلكن أو بل أو حتى4. وكان يرى أن {إِذًا} في قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ} ليست إذًا المعهودة وإنما هي إذًا الشرطية حذفت جملتها التي تضاف إليها وعوض عنها التنوين كما في "يومئذ"5. وكان يجوز خلافا لسيبويه العطف على معمولي عاملين مختلفين مطلقا مثل: "كان آكلا طعاما زيد وتمرا عمرو" ومثل"لا في الدار زيد, والحجرة عمرو" على الرغم من أن مثل ذلك لم يأتِ عن العرب، وكان يحتج لرأيه "بأن جزئيات الكلام إذا أفادت المعنى المقصود منها على وجه الاستقامة, لا يُحتاج إلى النقل والسماع, وإلا لزم توقف تراكيب العلماء في تصانيفهم عليه"1.
ولمع حينئذ اسم الشيخ خالد2 الأزهري المتوفى سنة 905 للهجرة، وُلد بجرجا ونشأ بالقاهرة وأكب على علوم اللغة والنحو، ولازم الشمني وغيره، وأقرأ الطلاب في الأزهر فنُسب إليه، ومن مصنفاته النحوية "المقدمة الأزهرية في علم العربية" وشرح عليها وهما مطبوعان، وشرح على كتاب ابن هشام "الإعراب عن قواعد الإعراب" وشرح على الآجرومية وشرح على الألفية, وأهم شروحه "شرح التصريح على التوضيح" لابن مالك وهو مطبوع بمصر في مجلدين مرارا. ويقول في مقدمته: إنه مزج كلامه في شرحه بكلام ابن هشام, وإنه ذكر أوجه الخلاف في المسائل النحوية وعللها وما يطوى فيها من أدلة، وإنه أوضح ما شاب كلام ابن هشام أحيانا من تناقض وما خالف فيه ابن مالك مع النص دائما على ما انفرد به، وقد صورنا ذلك في حديثنا عن ابن هشام مثبتين كثيرا من المواضع التي نص فيها صاحب التصريح على آرائه. وهو عادة يفيض في بيان الخلاف وما يسنده من علل، كما أشرنا، ويكفي أن نمثل لذلك بمثال واحد هو تخفيف النون في قراءة نافع: "تأمرونِي وتحاجونِي" يقول: "الصحيح عند سيبويه أن المحذوف نون الرفع واختاره ابن مالك؛ لأن نون الرفع عُهد حذفها للجازم والناصب, ولتوالي الأمثال في نحو {لَتُبْلَوُنَّ} , ولأن نون الرفع نائبة عن الضمة والضمة تحذف تخفيفا كما في قراءة أبي عمرو نحو "يأمركُمْ" ... وقيل: المحذوف نون الوقاية لا نون الرفع, وجزم ابن هشام به في الشذور، وهو مذهب الأخفش والمبرد وأبي علي وابن جني وأكثر المتأخرين واستدلوا له بأوجه، أحدها: أن نون الوقاية حصل بها التكرار والاستثقال, فكانت أولى بالحذف، وثانيها: أن نون الرفع علامة الإعراب, فالمحافظة عليها أولى, وثالثها: أن نون الرفع لعامل، فلو حُذفت للزم وجود مؤثر بلا أثرمع إمكانه"1.
وكان يعاصره السيوطي، وسنخصه بكلمة أكثر تفصيلا، وربما كان أنبه نحوي أخرجته مصر في القرن العاشر الهجري الأشموني2: نور الدين علي بن محمد بن عيسى المتوفى سنة 929 للهجرة، أخذ عن الكافيجي وغيره من نحاة عصره في القاهرة، وكان عالما زاهدا متقشفا، يكب على النحو وتدريسه للطلاب. ومن أهم مصنفاته النحوية شرحه على الألفية الذي سماه "منهج السالك إلى ألفية ابن مالك" وقد تمثل فيه الشروح الكثيرة التي سبقته تمثلا منقطع النظير, كما تمثل كتابات النحاة المختلفين وتحول ذلك كله سيولا في شرحه. وعادة يعرض الآراء المختلفة وما يسندها من علل، وكثيرا ما يختار لنفسه الرأي الصحيح عنده مصرحا بذلك على نحو قوله في الإعرب: "في الاصطلاح فيه مذهبان, أحدهما: أنه لفظي واختاره الناظم ونسبه إلى المحققين وعرفه في التسهيل بقوله: ما جيء به لبيان مقتضى العامل من حركة أو حرف أو سكون أو حذف، والثاني: أنه معنوي والحركات دلائل عليه واختاره الأعلم وكثيرون، وهو ظاهر مذهب سيبويه، وعرفوه بأنه تغيير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليها لفظا أو تقديرا. والمذهب الأول أقرب إلى الصواب؛ لأن المذهب الثاني يقتضي أن التغيير الأول "وهو الانتقال من الوقف إلى الرفع" ليس إعرابا؛ لأن العوامل لم تختلف بعد وليس كذلك"3. وواضح هنا استمداده تعريف الإعراب من التسهيل؛ مصنف ابن مالك المعروف, وهو يكثر في شرحه كله من الاستمداد منه: استمداد التعاريف وآراء النحاة وبراهينهم على تلك الآراء. وقد يناقش المصنف في بعض ما ذكره فيه على نحو مناقشته له في أن المضارع حين يتصل بنون الإناث يصبح مبنيا بلا خلاف، يقول: "وليس كما قال, فقد ذهب قوم منهم ابن درستويه وابن طلحة والسهيلي إلى أنه معرب بإعراب مقدر منع من ظهوره ما عرض فيه من الشبه بالفعلالماضي"1. ويتوقف بإزاء اختيار المصنف للضمير المتصل في مثل: "كنته وخلتنيه", مخالفا بذلك سيبويه الذي كان يختار كما قدمنا الضمير المنفصل, فيقال: "كنت إياه وخلتني إياه"، قائلا: "وافق الناظم "للألفية" أي: ابن مالك في التسهيل سيبويه على اختيار الانفصال في باب خلتنيه؛ لأنه خبر مبتدأ في الأصل, وقد حجزه عن الفعل منصوب آخر بخلاف هاء كنته, فإنها خبر مبتدأ في الأصل ولكنه شبيه بهاء "ضربته" في أنه لم يحجزه إلا ضمير مرفوع، والمرفوع كجزء من الفعل. أما ما اختاره الناظم هنا فهو مختار الرماني وابن الطراوة"2. وعلى هذا النحو لا يزال يقابل آراء ابن مالك في الألفية على آرائه في التسهيل وآراء النحاة المختلفين من بصريين وكوفيين وبغداديين وأندلسيين ومصريين، وكثيرا ما يفصح عن رأيه مبينا وجهة نظره.
وتظل الدراسات النحوية ناشطة في العصر العثماني، ويتكاثر الشراح وأصحاب الحواشي، ومن أشهرهم في القرن الحادي عشر الهجري الشنواني المتوفى سنة 1019 والدنوشري المتوفى سنة 1025 والشيخ يس صاحب حاشية التصريح على التوضيح المتوفى سنة 1061. ويلقانا في القرن الثاني عشر الهجري الحفني المتوفى سنة 1178 ومحمد الأمير وله حاشية على المغني مطبوعة فرغ من تأليفها -كما قال في خاتمتها- سنة 1188. ولعل أكثر أصحاب الحواشي والشروح في هذا العصر شهرةً الصبان3 محمد بن علي المتوفى سنة 1206 للهجرة، وله مصنفات مختلفة في المنطق والعروض والبلاغة، وأهم مصنفاته حاشية على شرح الأشموني، وقد طبعت مرارا، ونراه يقول في فاتحتها: إنه سيلخص فيها زبد ما كتبه على هذا الشرح أعلام النحو السابقون مع تنبيهه على كثير مما وقع لهم من أسقام الأفهام وأوهام الأذهان، ومع جلبه فرائد من بنات فكره، تقر بها عين الناظر. وربما كان أكثر من عارضهم في حاشيته أستاذه الحفني، وكانت له هو الآخر حاشية على الأشموني، ويكنى دائما عنه بكلمة "البعض"4. وهو يحمل مادة واسعة من خلافات النحاة يكملبها ما ذكره الأشموني في شرحه، كما يحمل مادة واسعة من الاعتراضات والأجوبة.
ونمضي إلى العصر الحديث، ويلقانا في فاتحته الشيخ محمد1 الدسوقي المتوفى سنة 1230هـ/ 1815م, وكان يتصدر للإقراء في الأزهر، وله حاشية مطولة على المغني لابن هشام، وهي مطبوعة بمصر مرارا، وتضم بين دفتيها عتاد الشروح والحواشي التي وضعت على المغني منذ ألّفه صاحبه، وتضم أيضا مباحث لغوية وأصولية مختلفة. وللشيخ حسن2 العطار المتوفى سنة 1250هـ/ 1834م حاشية مختصرة على شرح الأزهرية للشيخ خالد الأزهري طبعت بمصر مرارا. وربما كانت أهم الحواشي التي ألفت بمصر بعد ذلك حاشية الشيخ محمد الخضري الدمياطي على ابن عقيل وقد توفي سنة 1870م، وهي تمتاز بالوضوح وغزارة المادة وخاصة في بيان الخلافات النحوية وفي عرض آراء النحاة المتأخرين وخلاصة ما حشدوه في حواشيهم وشروحهم من اعتراضات وأجوبة وحجج وأدلة. ومنذ أن أُنشئت دار العلوم في القرن الماضي يعم بمصر اتجاه جديد في تصنيف النحو تصنيفا يقصد به إلى تيسيره على الناشئة، وتلك وجهة أخرى غير وجهات المدارس التي حاولنا تصويرها في هذا الكتاب، ولعل من الخير أن نعود إلى الوراء ثانية لنترجم ترجمة موجزة للسيوطي, ونعرف تعريفا مختصرا بكتبه وآرائه النحوية.
السيوطي 3:
هو جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد المتوفى سنة 911 للهجرة، عكف على الدرس والتحصيل منذ نعومة أظفاره، ولم يلبث أن أخذ في التأليف والتدريس للطلاب في المدرستين الشيخونية والبيبرسية. وهو أغزر العلماء المصريينفي عصره تأليفا في جميع الميادين: في التفسير والحديث والفقه والتاريخ والتراجم واللغة والنحو. ومن أنفس كتبه اللغوية كتابه "المزهر في علوم اللغة" وهو يضم مباحث واسعة في فقه العربية. وله في النحو مصنفات مختلفة، منها شرحه لمغني ابن هشام وشرحه لشواهده، وكتاب الاقتراح في أصول النحو، ألفه كما يقول في مقدمته على هدي كتاب الخصائص لابن جني، وقد لخص فيه جميع ما يتعلق بتلك الأصول، ورجع أيضا إلى كتابي "لمع الأدلة" و"الإغراب في جدل الإعراب" لابن الأنباري، وأخذ من الأول لبابه وأدخله في ثنايا كتابه, وضم خلاصة الثاني إلى مباحثه في العلة. وهو يتناول في الكتاب السماع والإجماع والقياس والاستصحاب والأدلة والتعارض والترجيح بين مذهبي البصريين والكوفيين، ويتضح في الأبواب الأخيرة أثر استضاءته بعلم أصول الفقه.
ومن مصنفاته في أصول النحو وقواعده الكلية كتاب الأشباه والنظائر المطبوع مثل سالفه بحيدر آباد في الهند، وهو في أربعة مجلدات، وفيه يطبق على العربية المنهج الذي اتخذه الفقهاء في مصنفاتهم للأشباه والنظائر في الفقه، ويصرح بذلك في مقدمته له. ونراه يستعرض أهم ما ألفه الفقهاء في هذا الموضوع, قائلا: إنه وضع كتابه في العربية على ضوء كتاب القاضي تاج الدين السبكي، ما عدا صدره فإنه استلهم فيه كتاب الزركشي، والكتابان جميعا في الأشباه والنظائر الفقهية. وكتاب السيوطي موزع على سبعة فنون: الأول: فن القواعد والأصول التي تُرَدّ إليها الجزئيات والفروع ... وهو -كما يقول- معظم الكتاب ومهمه، والثاني: فن الضوابط والاستثناءات والتقسيمات، والثالث: فن بناء المسائل بعضها على بعض، والفن الرابع: فن معرفة الجمع والفرق، والخامس: فن الألغاز والأحاجي والمطارحات، والسادس: فن المناظرات والمحاورات والفتاوى، والسابع: فن الأفراد والغرائب.
وله في قواعد النحو والتصريف كتاب "همع الهوامع شرح جمع الجوامع" وهو موسوعة ضخمة لآراء النحاة في تلك القواعد من بصريين وكوفيين وبغداديين وأندلسيين ومصريين، ومع كل رأي حججه وأدلته، جمعها من نحو مائة مصنف، لعل أهمها ارتشاف الضرب لأبي حيان. وهو يتعقب فيه آراء النحاة حتى عصره،مستقصيا لها استقصاء دقيقا، على نحو ما يتضح من ذكرنا له الدائم في هوامش هذا الكتاب. ومن حين لآخر تلقانا آراؤه النحوية، وهي في جمهورها اختيارات من آراء سابقيه، من ذلك أنه كان يختار -وفاقا لأبي حيان- أن الأسماء قبل تركيبها في العبارات لا مبنية ولا معربة؛ لعدم الموجب لكل منهما1. وجاء عن العرب "وجدني" في وجدنني مع نون الإناث، واختلف النحاة أي النونين المحذوفة: نون الوقاية أو نون الإناث، وقال سيبويه: نون الإناث واختار قوله ابن مالك، وقال المبرد وابن جني وأبو حيان: نون الوقاية؛ لأن الأول ضمير فاعل فلا تحذف، واختار السيوطي رأيهم2. وكان البصريون يمنعون تقديم الظرف والجار والمجرور المتعلقين بالصلة على الموصول، بينما كان الكوفيون -ومعهم السيوطي- يجيزون ذلك مطلقا3. وقد صوّب رأي أستاذه الكافيجي في إعراب "بحسبك درهم" إذ كان يرى أن "بحسبك" خبر مقدم و"درهم" مبتدأ مؤخر4. واختار رأي الكوفيين في أن المبتدأ والخبر مترافعان كل منهما يرفع صاحبه5. وفي باب كاد يقول: "زعم قوم أن نفي كاد إثبات للخبر وإثباتها نفي له، وشاع ذلك على الألسنة ... والتحقيق أنها كسائر الأفعال نفيها نفي وإثباتها إثبات, إلا أن معناها المقاربة لا وقوع الفعل, فنفيها نفي لمقاربة الفعل، ويلزم منه نفي الفعل ضرورة أن من لم يقارب الفعل لم يقع منه الفعل، وإثباتها إثبات لمقاربة الفعل ولا يلزم من مقاربته وقوعه، فقولك: كاد زيد يقوم معناه: قارب القيام ولم يقم, ومنه: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ} أي: يقارب الإضاءة6. وكان الجمهور يذهب في مثل: "لا أبا لك" إلى أن أبا مضافة إلى المجرور باللام الزائدة, وذهب الفارسي -وتبعه السيوطي- إلى أن أبا مفردة جاءت على لغة القصر والمجرور باللام هو الخبر، يقول: "وإنما اخترت رأي أبي علي لسلامته من التأويل والزيادة والحذف, وكلها خلاف الأصل"7. ويقول في باب النداء: إن ابن مالك ذهبإلى أن النداء بالهمزة قليل, ويذكر أنه وقف على أكثر من ثلاثمائة شاهد لها, وأنه لذلك أفردها بتأليف خاص1. ويعرض الآراء المختلفة في سبب بناء "الآن" ويختار أنها معربة بالنصب على الظرفية2، كما يختار عدم بناء المضاف لبناء المضاف إليه في مثل يومئذ، متابعا في ذلك ابن مالك3، ويتابع الشلوبين في أن الجملة المفسرة تكون ذات محل أو غير ذات محل حسب ما تفسره4، كما يتابع الفارابي في أن رُبَّ تأتي للتقليل غالبا وللتكثير نادرا5. وعلى هذا النحو لا يزال السيوطي يختار لنفسه من مذاهب النحويين ما يتجه عنده تعليله وما يراه أكثر سدادا. وهو بذلك يجري في اتجاه مدرسته التي كان أفرادها من المصريين لا يزالون يتخيرون من الآراء النحوية ما تستقيم حججه وبراهينه.





0 komentar:

Poskan Komentar

◄ Posting Baru Posting Lama ►
 

Advertising

EasyHits4U.com - Your Free Traffic Exchange - 1:1 Exchange Ratio, 5-Tier Referral Program. FREE Advertising!

visitors

Copyright © 2012. Menggenggam Hikmah - All Rights Reserved B-Seo Versi 5 by Bamz